بعد 40 عاماً على فيلم Clue: كوميديا «من القاتل؟» التي تحوّلت إلى درس تاريخي عن الحرب الباردة

في الذكرى الأربعين لفيلم Clue، تكشف الكوميديا العبثية كيف عكست السياسة الأمريكية و«ذعر اللافندر» والحرب الباردة عبر نهايات متعددة.

Ad
لقطة سينمائية لشخصيات فيلم Clue الرئيسية، متجمعة في قصر غامض. تعابيرهم تحمل مزيجاً من التوجس والفكاهة، تعكس الكوميديا السوداء والغموض الكلاسيكي.
فيلم Clue: كوميديا الغموض التي تحولت إلى مرآة تاريخية للحرب الباردة.
جدول المحتويات
CLUE, Michael McKean, Christopher Lloyd, Lesley Ann Warren, Martin Mull, Tim Curry, Madeline Kahn, 1985,

قد يبدو فيلم Clue للوهلة الأولى مجرد لعبة سينمائية خفيفة مبنية على لوحة شهيرة: مجموعة شخصيات غريبة الأطوار، قصر معزول، جريمة قتل، وأسئلة لا تنتهي عن هوية القاتل ومكان الجريمة وأداة القتل. لكن إعادة مشاهدة الفيلم اليوم تكشف أنه أكثر من كوميديا «من فعلها؟». فبين النكات السريعة والإيقاع العبثي، يختبئ تعليق ذكي على السياسة الأمريكية والذاكرة التاريخية، وعلى الطريقة التي تعيد بها الثقافة الشعبية تدوير الماضي لفهم الحاضر.

40 عاماً على الإصدار: ثلاثة نهايات وجمهور لا يعرف ما الذي سيشاهده

هذا الشهر صادفت الذكرى الأربعين لطرح Clue في صالات السينما عام 1985، وهو فيلم جمع طاقماً لافتاً ضم تيم كاري، مادلين كان، إيلين برينان، كريستوفر لويد، ليزلي آن وورن، وغيرهم. ما جعل التجربة فريدة وقتها أن صُنّاع الفيلم صوّروا نهايات متعددة. وبروح اللعبة التي استلهمها الفيلم—حيث يمكن لكل مباراة أن تكشف قاتلاً مختلفاً—كان روّاد السينما يدخلون القاعة من دون أن يعرفوا أي نهاية من ثلاث قد تظهر على الشاشة.

هذه الحيلة التسويقية لم تكن مجرد ترفيه. فهي انعكست على طريقة استقبال الجمهور للفيلم: مشاهدة واحدة قد لا تكفي للفهم الكامل، ومقارنة النهايات كانت جزءاً من المتعة. لاحقاً، عندما انتقل الفيلم إلى أشرطة VHS ثم إلى التلفزيون عبر الكابل، أصبح من الممكن مشاهدة النهايات الثلاث مجتمعة بعد دمجها في نسخة واحدة، مع تحديد نهاية بوصفها «ما حدث فعلاً». عندها تحديداً بدأ الفيلم يبني سمعته كعمل كوميدي ذكي يستحق إعادة الاكتشاف.

ليس على طريقة أغاثا كريستي: كوميديا عبثية بدل «وحدانية الحل»

رغم أن الواجهة هي واجهة «لغز جريمة» تقليدي، فإن Clue لا يسير على القالب الكلاسيكي الذي اشتهرت به أعمال أغاثا كريستي، حيث تُزرع الأدلة والتمويهات بعناية ثم يُكشف الحل المنطقي في النهاية. بدلاً من ذلك، يتبنّى الفيلم روح الكوميديا العبثية ذات الإيقاع المتسارع والمفارقات المتعمدة، بنص «مبالغ» في جنونه كتبه جون لانديس (صاحب National Lampoon’s Animal House عام 1978) وجوناثان لين (المعروف بـ Yes Minister بين 1980 و1984).

هذه المقاربة تجعل الفيلم يبدو وكأنه يسخر من فكرة «المنطق الصارم» في قصص الجرائم، لكنه في الوقت نفسه يستفيد من بنية اللغز لخلق توتر متواصل: الشخصيات تتنقل بين الغرف، والاتهامات تتبدل، وكل شيء قابل للانقلاب بنهاية مختلفة.

من الفشل في شباك التذاكر إلى «جوهرة» على VHS والكابل

عند عرضه الأول لم يحقق Clue النجاح المتوقع في شباك التذاكر. لكن الفشل المبكر لم يكن نهاية القصة. فمع انتقاله إلى المشاهدة المنزلية، وجد الفيلم جمهوره الحقيقي: المشاهد يستطيع إعادته، ومتابعة التفاصيل، ورؤية كل النهايات. وبمرور الوقت، تحوّل العمل إلى كوميديا محبوبة لدى جمهور واسع بوصفه «الجوهرة» التي كان يريد أن يكونها منذ البداية.

هذا التحول يوضح كيف يمكن لتغير وسيط العرض أن يعيد تعريف فيلم بالكامل: ما قد لا ينجح كتجربة سينمائية «مرة واحدة»، ينجح عندما يصبح قابلاً للتكرار والتفكيك وإعادة المشاهدة.

قصر 1954… وعين 1985: كيف استخدم الفيلم الماضي لقراءة حقبة ريغان

تدور أحداث الفيلم في قصر بولاية من ولايات نيو إنغلاند عام 1954، أي في قلب المزاج الأمريكي الذي تزامن مع بدايات الحرب الباردة وصعود الهواجس الأمنية. لكن طرح الفيلم عام 1985 جعله يبدو كمرآة غير مباشرة لمرحلة الثمانينيات نفسها—مرحلة إدارة ريغان، وعودة خطاب محافظ قوي، وتوترات ثقافية وسياسية واسعة.

من خلال السخرية والتهكم، يتحوّل Clue إلى نوع من «المراجعة» لذكرى الخمسينيات: الفيلم يعرض الماضي بوصفه مسرحاً للابتزاز والخوف والرقابة الأخلاقية، ثم يسمح لمشاهد الثمانينيات بأن يرى في هذا الماضي جذوراً أو أشباحاً تعود بأشكال جديدة. هكذا لا يكتفي الفيلم بتقديم الضحك، بل يقدم أيضاً قراءة ثقافية لِما كان يتصاعد آنذاك من نزعة محافظة.

الجذور: من غارات الحرب العالمية الثانية إلى لعبة تُدرّس «الاستنتاج»

أصل الحكاية يعود إلى اللعبة اللوحية التي اشتهرت منذ الخمسينيات. الفكرة جاءت من البريطاني أنتوني إي. برات، الذي استوحى اللعبة من قصص جرائم كانت شائعة في الثلاثينيات والأربعينيات. المثير أن جزءاً كبيراً من تطويره للفكرة تم بين عامي 1943 و1945 أثناء بقائه معزولاً في المنزل بسبب غارات الحرب العالمية الثانية، وفق ما يورده History.com. وبحلول 1947 سجّل برات براءة الاختراع وباع اللعبة باسم Clue (وفي إنجلترا باسم Cluedo).

ثم دخلت اللعبة السوق الأمريكية بقوة. وبحلول عام 1950، كانت الإعلانات في الولايات المتحدة تعد بأنها «محفزة للبالغين» و«مفيدة للأطفال»، لأنها تساعدهم على «التفكير الاستنتاجي» وربط الأدلة للوصول إلى نتيجة. هذه السمعة التعليمية—ولو كانت تسويقية—تتماهى بشكل طريف مع ما سيصبح عليه الفيلم لاحقاً: ترفيه، لكنه يفتح باب التفكير فيما وراء القصة.

عدسة الحرب الباردة على الشاشة: ابتزاز، أسماء ملونة، وفضائح سياسية

عندما نقل صُنّاع الفيلم عالم اللعبة إلى السينما، قدّموا الشخصيات بأسماء مستعارة مرتبطة بالألوان (مثل Professor Plum وColonel Mustard)، لكنهم منحوا هذه الأسماء سياقاً سياسياً واجتماعياً: الجميع يتعرض للابتزاز بسبب أفعال غير قانونية أو «فضائح» شخصية. وبدلاً من أن يكون اللغز محصوراً في من حمل السلاح، يصبح سؤالاً عن شبكة الأسرار التي تجعل الشخصيات قابلة للسيطرة.

يُفصح الفيلم مثلاً أن Mrs. Peacock هي زوجة عضو في مجلس الشيوخ تلقّت رشى مقابل أصوات، وأن Miss Scarlet تدير بيت دعارة يرتاده زبائن نافذون في واشنطن العاصمة. بهذه الخلفيات، تتحول «لعبة جريمة في قصر» إلى تلميح ساخر عن تداخل السلطة والفساد والسمعة العامة.

قصة Mr. Green وملف مُهمل: طرد المثليين من الوظائف الفيدرالية

أكثر الخطوط الدرامية التي تحمل صدى تاريخياً واضحاً هو ما يرتبط بشخصية Mr. Green. في الفيلم يعرّف نفسه بأنه «مثلي» ويعمل في وزارة الخارجية. وهو يوضح أنه لا يشعر «بخزي أو ذنب شخصي» تجاه هويته، لكن عليه إخفاء الأمر لأنه قد يفقد وظيفته «لأسباب أمنية». هذا التفصيل، رغم تقديمه ضمن سياق كوميدي، يحيل إلى فصل واقعي من بدايات الحرب الباردة: حملة طرد وملاحقة العاملين المثليين والمثليات من الوظائف الفيدرالية باعتبارهم «خطراً أمنياً».

كيف تحوّل «الاشتباه» إلى سياسة رسمية؟

في أواخر الأربعينيات وبدايات الخمسينيات، تبنت الحكومة الفيدرالية الأمريكية سياسات ربطت المثلية الجنسية بمخاطر الأمن القومي. من «برنامج الولاء» الذي أطلقه الرئيس هاري ترومان عام 1947، وصولاً إلى الأمر التنفيذي 10450 الذي وقّعه الرئيس دوايت أيزنهاور عام 1953، جرى منع أشخاص يُنظر إلى سلوكهم بوصفه «غير أخلاقي»—ومن ضمنه المثلية—من العمل ضمن الرواتب الفيدرالية. ووفق الأرقام الواردة في التقرير، بين عامي 1947 و1950 وحدهما مُنع ما لا يقل عن 1,700 شخص من العمل في الحكومة الفيدرالية للاشتباه في كونهم مثليين.

منطق «الخطر الأمني»: ابتزاز متخيَّل لم تُثبت الوقائع حدوثه

المنطق الذي رُوِّج لتبرير هذه السياسات اعتمد على سردية غير مثبتة: بما أن المثلية كانت مُجرّمة ومرفوضة اجتماعياً، فإن «عملاء أجانب» أو شيوعيين قد يبتزون الموظف المثلي ويجبرونه على تسريب معلومات سرية. هكذا جرى تصوير فئة كاملة بوصفها قابلة للاختراق، لا لشيء إلا بسبب موقعها الاجتماعي الهش.

لكن المفارقة، كما يلمّح التقرير، أن هذه الذريعة لم تقترن بظهور حالة مؤكدة واحدة. والفيلم يلتقط عبثية الوضع بطريقته: في إحدى نهايات Clue نكتشف أن Mr. Green كان في الحقيقة ضابطاً متخفياً يعمل لصالح مدير الـFBI ج. إدغار هوفر. ثم يختم المشهد بجملة ساخرة: «سأعود إلى البيت وأنام مع زوجتي»—وكأن الفيلم يبالغ عمداً لإظهار تناقضات الخوف والتمثيل الاجتماعي.

لماذا بدا هذا الكلام «مناسباً» في 1985؟

عند صدور الفيلم كان المزاج السياسي والمعرفي في الولايات المتحدة يتغير. فالحظر الرسمي على توظيف المثليات والمثليين في المناصب الفيدرالية انتهى فقط عام 1975 عندما أنهت U.S. Civil Service Commission المنع. وفي الوقت نفسه بدأت تظهر كتابات أكاديمية أكثر تنظيماً في مجال كان ما يزال صغيراً آنذاك تحت اسم «تاريخ المثليين والمثليات».

ضمن هذا السياق، جاء كتاب جون ديميليو الذي يُعد مفصلياً: Sexual Politics, Sexual Communities الصادر عام 1983، والذي وثّق الخلفية التاريخية التي تعطي لشخصية مثل Mr. Green معناها السياسي. وبعد قرابة عقدين، في 2004، ترسخ المصطلح شعبياً باسم «lavender scare» مع صدور كتاب المؤرخ David K. Johnson المؤثر بالعنوان نفسه، في محاكاة لمصطلح «red scare».

الدين والسياسة والرقابة الأخلاقية: تلميحات إلى «اليمين الجديد»

لا يكتفي الفيلم بالإحالة إلى ذعر الخمسينيات، بل يمرّر أيضاً ملاحظات عن زمن إنتاجه. فهناك رجل أمن يتنكر في هيئة واعظ إنجيلي ويواجه المشتبه بهم بعبارة مفادها أن «أرواحكم في خطر»، قبل أن يلتقط خيط الجريمة. في الثمانينيات، ومع تصاعد نفوذ الدعوة السياسية المسيحية المحافظة—ومنها منظمة Moral Majority التي تأسست عام 1979—تبدو هذه الصورة وكأنها تعليق على استخدام الخطاب الديني كأداة ضبط أخلاقي واجتماعي.

الفيلم، عبر المزاح، يدفع المشاهد إلى التساؤل: من يمتلك «المركز الأخلاقي» في القصة؟ وهل الرقابة الأخلاقية تأتي دائماً من موقع نقي فعلاً، أم أنها قناع آخر للسلطة؟

ظل HIV/AIDS في الثمانينيات: البحث عن كبش فداء يتكرر

عند عرض Clue كانت الولايات المتحدة تشهد تصاعد احتجاجات ناشطين مثليين يطالبون بتحرك حكومي إزاء HIV/AIDS، المرض القاتل آنذاك الذي دخل الوعي العام الأمريكي قبل سنوات قليلة في 1981. وفي مناخ ثقافي متوتر، اتجه «محاربو الثقافة» في اليمين الجديد—وهو تيار سياسي وثقافي جمع بين الحزب الجمهوري واليمين الديني—إلى تحميل المثليين وفئات مهمشة أخرى مسؤولية المرض، وربط ذلك بسردية «الانحلال الأخلاقي».

هنا يعود التشابه مع الخمسينيات: كما جرى تصوير المثليين سابقاً كخطر على الأمن القومي، عاد تصويرهم في الثمانينيات كخطر على «أخلاق المجتمع» أو كبش فداء لأزمة صحية. الفيلم لا يناقش HIV/AIDS مباشرة، لكنه يُفهم ضمن هذا السياق بوصفه عملاً يستحضر تاريخ شيطنة الفئات المهمشة، ثم يعرّيه بالسخرية.

لماذا يبدو الفيلم راهناً اليوم؟

بعد أربعة عقود، يمكن لجيل جديد أن يقرأ Clue على مستويين في آن واحد: ككوميديا متقنة الإيقاع، وكنافذة على الطريقة التي تحمل بها الأعمال الترفيهية «تواريخ صغيرة» داخلها. فإعادة زيارة الفيلم اليوم، في فترات تتردد فيها أصداء الخوف من اليسار وثقافة الشك التي تذكّر بالمكارثية، قد تجعل إشاراته أكثر حضوراً. وكأن الفيلم يقول إن التاريخ لا يعيش فقط في الكتب والخطب، بل أيضاً في المحتوى الذي نستهلكه يومياً—من الأفلام إلى الإعلانات وما نراه على منصات البث.

ومع اتساع اهتمام المؤرخين بالثقافة الشعبية بوصفها مادة جدية للدراسة، يصبح Clue مثالاً مفيداً: قصة «من القاتل؟» قد تقودنا إلى سؤال أوسع: من الذي يعرّف الخطر؟ ومن الذي يقرر ما هو «غير أخلاقي»؟ وكيف تتحول المخاوف السياسية إلى سياسات تمس حياة الناس؟

الخلاصة

Clue ليس مجرد فيلم مسلٍ بنهايات متعددة؛ إنه أيضاً تذكير بأن الكوميديا قادرة على حمل تاريخ كامل داخلها. من أجواء 1954 إلى أسئلة 1985 عن السلطة والابتزاز والهوية، يقدّم الفيلم درساً غير متوقع عن الحرب الباردة وذاكرة الخوف—درساً يظل قابلاً للقراءة كلما تغيّر حاضرنا.

تنويه النسب: هذا المقال مبني على ما ورد نقلاً عن تقرير منشور في موقع TIME.com.


مقالات ذات صلة

نقلاً عن time.com: هذا المقال مُلخّص ومُعاد صياغته اعتماداً على التقرير الأصلي. راجع قسم المصادر:

المصادر

Ad