خطط «إعادة إعمار غزة» تكرّر تاريخ الطموحات الخارجية في فلسطين: من مورغنثاو إلى مقترحات ترامب

تُعيد مقترحات إعادة تطوير غزة إلى الواجهة تاريخاً طويلاً من خطط دولية لاستغلال الأرض وإدارتها من الخارج، من مورغنثاو إلى ترامب.

Ad
خرائط وخطط دولية من عصور مختلفة تتراكب فوق أطلال غزة، تجسد تاريخ الطموحات الأجنبية لإدارة الأرض.
تكرار الخطط الدولية الخارجية لإعادة إعمار وإدارة غزة.
جدول المحتويات

أعاد وقف إطلاق النار الحالي في غزة بعض الأمل بإمكانية انتهاء الحرب، لكن حجم الدمار الواسع يطرح سؤالاً مُلحّاً: كيف يمكن جعل القطاع قابلاً للحياة من جديد؟ في خضم هذه اللحظة، عادت إلى الساحة مقترحات تتحدث عن «إعادة تطوير» غزة عبر مشاريع ضخمة ورؤى استثمارية، بما يشبه خططاً عمرانية كبرى أكثر من كونه مساراً سياسياً يعالج جذور الصراع ومعاناة السكان.

هذه ليست المرة الأولى التي يُطرح فيها مستقبل الأرض الفلسطينية وكأنه «مشروع» يمكن أن يتولاه طرف خارجي. التاريخ الحديث للمنطقة مليء بأمثلة لقوى ودول وشخصيات اعتقدت أنها الأقدر على تقرير «أفضل استخدام» للأرض المتنازع عليها منذ زمن طويل. والنتيجة المتكررة، وفق قراءة تاريخية، هي تعميق انعدام الثقة لدى السكان المحليين، وخلق مسارات كانت كارثية على مصالحهم.

مقترحات ترامب: من «الاستحواذ» إلى خطة «تنمية اقتصادية»

يرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه صاحب «غريزة طبيعية» كرجل عقارات، وهو توصيف نسبته تقارير إلى حديثه عن خطط تتصل بإعادة تطوير غزة، في إشارة إلى خلفيته الاستثمارية في نيويورك، كما ورد في The New York Times. وبينما يُقدَّم هذا المنظور على أنه عملي وبراغماتي، فإنه يحمل في جوهره تصوراً لعلاج الأزمة عبر «مشروع تطوير» تقوده إدارة خارجية.

وقبل أشهر من وقف إطلاق النار الأخير، قال ترامب إنه يريد «الاستحواذ على قطاع غزة»، مضيفاً أن الولايات المتحدة «ستقوم بعمل جيد معه»، وأنها «ستملكه» وتحوّله إلى مشروع «تنمية اقتصادية» يوفّر «أعداداً غير محدودة من الوظائف والإسكان» لسكان المنطقة. وذهب إلى حد وصفه بأنه قد يصبح «ريفييرا الشرق الأوسط» و«مكاناً دولياً لا يُصدق».

لاحقاً، ارتبطت الرؤية بتفاصيل أوسع في سياق خطة وقف إطلاق النار، حيث استُبدلت فكرة «الاستحواذ» الأولية بوعد يتحدث عن «خطة تنمية اقتصادية لترامب». وبحسب ما نُقل، ستشرف على الخطة «لجنة خبراء» ممن شاركوا في إنشاء «مدن معجزة حديثة مزدهرة» في الشرق الأوسط، في إشارة إلى مدن الخليج الغنية بالنفط، مع الحديث عن «أمن داخلي طويل الأمد» توفره «قوة تثبيت دولية».

فكرة «الإدارة الدولية» ليست جديدة: جذورها في القرن العشرين

قد يبدو تصوير غزة كموقع استثماري قابل لإعادة الهندسة أمراً طارئاً فرضته الحرب والدمار، لكن تاريخ فلسطين وغزة يعج بأطروحات شبيهة: أطراف من خارج المنطقة تُمسك بخيوط الإدارة أو تقترح ترتيبات دولية بذريعة التنمية أو حماية الأماكن المقدسة أو ضمان الاستقرار.

قبل أكثر من قرن، برز مثال لافت لشخصية أمريكية من عالم الأعمال والعقارات: هنري مورغنثاو الأب (Henry Morgenthau Sr.)، وهو مطوّر عقاري من مانهاتن. تشير الرواية التاريخية إلى أن تبرعاته لحملة وودرو ويلسون الانتخابية ساعدته على الحصول على منصب سفير الولايات المتحدة لدى الدولة العثمانية عام 1913. وقد أسهم حضوره، بما طرحه من تصورات، في ترسيخ تقليد سياسي يُفضي إلى تدخل «الغرباء» في رسم مستقبل الأرض، وهو تقليد غذّى الشكوك لدى السكان وأضر بمصالحهم.

من دعم المصالح الأمريكية إلى أفكار «شراء فلسطين»

في بداية عمله الدبلوماسي، قام مورغنثاو بما كان يتوقعه: دعم مصالح الإرساليات الأمريكية والأعمال التجارية في أراضي الدولة العثمانية. وزار الأراضي الفلسطينية في أبريل/نيسان 1914. وكحال كثير من الزائرين الأمريكيين في ذلك الزمن، انبهر بالمواقع الدينية، لكنه رأى الفقر منتشراً بشكل منفّر.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، تغيّرت مهامه جذرياً. فبحسب السرد الوارد، قام بتحويل أموال لدعم مصالح مرتبطة بالأمريكيين في المنطقة، ومن بينها مستوطنون صهاينة فقدوا معظم مصادر الدخل بسبب الحرب. هذه الخلفية تفسر كيف بدأت التنمية، والمال، والتدخل الخارجي تتقاطع مع مصير الأرض والسكان في سرديات بعض المسؤولين الغربيين.

استقالة عام 1916 وخطة «جمهورية صغيرة» أو «حديقة دولية»

عام 1916، استقال مورغنثاو «يائساً» بعد أن عجز عن فعل الكثير لوقف مذبحة الأرمن، وعاد إلى الولايات المتحدة للمساهمة في حملة إعادة انتخاب ويلسون. وخلال جولة خطابات داخل أمريكا، احتُفي به من منظمات عديدة بسبب نشاطه الإنساني زمن الحرب.

في تلك الخطب، طرح مورغنثاو خطة لفلسطين قال فيها إن «اليهود والمسيحيين ينبغي أن يتحدوا لشراء هذه الأرض المقدسة». وادّعى أنه ناقش الفكرة مسبقاً مع قادة عثمانيين «متجاوبين»، ثم قدّم تصوراً لما بعد «الشراء»: تحويل فلسطين إلى «جمهورية حرة صغيرة» أو «حديقة دولية» تشارك «الدول المسيحية في العالم» في حكومتها. كما تحدّث عن قيام مطوّرين ببناء ميناء جديد كبير في يافا، مع تدفق السياح.

هذه الرؤية كانت تتمحور حول «التطوير» أكثر من الدبلوماسية، لكن أثرها السياسي كان حاداً. فبحسب وثائق دبلوماسية لاحقة، وصل صدى تلك التصريحات إلى إسطنبول، وأصبح عبئاً على من خلفه في المنصب.

عندما تتحول «الخطة» إلى أزمة ثقة: تقرير إلكوس والشك العثماني

لاحقاً في العام نفسه، أفاد خليفة مورغنثاو في منصب السفير، أبرام إلكوس (Abram Elkus)، بأنه يواجه صعوبة في إنجاز أي أمر يتطلب موافقة الحكومة العثمانية، وأن السبب المباشر هو خطة مورغنثاو بشأن فلسطين. ونقل إلكوس أن «المشكلة الحقيقية» كانت في انتشار القول إن «مسؤولين أتراكاً مستعدين لبيع فلسطين» أو أن مورغنثاو «يمكنه شراءها».

ووفق ما نُقل، خلص العثمانيون إلى أن الولايات المتحدة باتت «تطمع» في أراضيهم على غرار القوى الإمبريالية الأوروبية. النتيجة كانت تبخر الثقة، وهو نمط سيظهر مراراً: عندما تُطرح ترتيبات خارجية فوقية حول الأرض والسيادة، يتحول «التطوير» إلى عنوان لسيطرة محتملة، أو على الأقل لتهميش إرادة السكان.

سايكس–بيكو والبحث عن «إدارة دولية» لفلسطين

لم يكن مورغنثاو أول من فكّر بترتيبات خارجية. ففي 1916 أيضاً، كانت بريطانيا وفرنسا تتفاوضان بشأن مصير أراضي الدولة العثمانية بعد الحرب. وفي ما عُرف لاحقاً باتفاق سايكس–بيكو، اتفق الطرفان على وضع فلسطين تحت «إدارة دولية» بصيغة ما.

صحيح أن هذا البند لم يستمر في مساره الأصلي، إذ انتهى الأمر بسيطرة بريطانيا على ما أصبح يُعرف بـ«فلسطين الانتدابية» بعد الحرب. لكن الفكرة الأساسية—تقرير مصير الأرض عبر ترتيبات خارجية—بقيت حاضرة. وخلال فترة الانتداب، دعمت السلطات البريطانية هجرة اليهود الأوروبيين إلى المنطقة رغم مقاومة الفلسطينيين، ما يوضح كيف يمكن لخطط تُصاغ بعيداً عن أصحاب الأرض أن تتحول إلى وقائع ديموغرافية وسياسية عميقة الأثر.

من «لجنة بيل» إلى خطة التقسيم: تدويل «الأماكن المقدسة»

حتى بعد أن أصبحت بريطانيا الحاكم الفعلي لفلسطين، ظلّت مقترحات «التدويل» مطروحة، خصوصاً في ما يتعلق بأجزاء حساسة مثل القدس وما حولها. ومن أبرز المحطات «لجنة بيل» (Peel Commission) التي زارت المنطقة للتحقيق في ثورة 1936 العربية. ومن توصياتها آنذاك إنشاء «جيب» حول «الأماكن المقدسة»—بما يشمل يافا والقدس وبيت لحم—يُدار عبر «أوصياء» دوليين يهدفون إلى «تعزيز الرفاه والتنمية».

وتكرر الاتجاه نفسه في خطة تقسيم الأمم المتحدة لعام 1947، التي تحدثت عن «نظام دولي خاص لمدينة القدس» يمتد إلى بيت لحم. في النهاية، لم تتحول خطة مورغنثاو ولا هذه المقترحات إلى واقع عملي كما صيغت، لكنها تركت إرثاً مهماً: الاعتقاد المتكرر لدى أطراف دولية بأن الحلول تأتي من الخارج، وأن الأرض يمكن أن تُدار أو تُعاد هندستها بقرار دولي.

لماذا تعود هذه الأفكار الآن؟ بين الإعمار والسيادة وذاكرة الصدمة

تتغذى مقترحات «إعادة تطوير غزة» اليوم من واقع الدمار الهائل، ومن حقيقة أن إعادة الإعمار تتطلب موارد وقدرات كبيرة. لكن المشكلة لا تتعلق بالحاجة إلى البناء بحد ذاتها، بل بطبيعة التصور: هل يُنظر إلى غزة كمجتمع حي له حقوق سياسية وإنسانية، أم كموقع يمكن أن يتحول إلى «فرصة عقارية» تُدار بحوكمة خارجية وقوة أمنية دولية؟

في السياق ذاته، اعتبر كثيرون أن تصريحات ترامب—حتى إن تجاوزتها لاحقاً ترتيبات وقف إطلاق النار—عكست تحوّلاً صادماً: رئيس دولة ساهمت سياساتها في تمكين إسرائيل من تدمير غزة يتحدث عنها كمكسب استثماري محتمل. وقد وصف المؤرخ تانر أقجام (Taner Akcam) ذلك بأنه «تحويل الموت الجماعي إلى مشروع تطوير».

وحتى مع غياب التفاصيل الدقيقة لما قد تعنيه «خطة اقتصادية بقيادة ترامب»، تبقى نقطة جوهرية: التنمية لا تعوّض ما فُقد. فإعادة بناء الطرق والمساكن والموانئ—مهما بلغت ضخامتها—لا تمحو أثر القتل والاقتلاع والصدمة، ولا تستعيد سريعاً النسيج الاجتماعي الذي تضرر، ولا تضمن وحدها مستقبلاً آمناً إذا بقيت جذور النزاع دون حل.

الخلاصة

تُظهر المقارنة التاريخية أن طرح مستقبل غزة وفلسطين كملف «تطوير» تديره قوى خارجية ليس جديداً، بل امتداد لتقاليد قديمة من الطموحات الدولية التي كثيراً ما خلّفت انعدام ثقة ونتائج مؤلمة. وفي حين أن إعادة الإعمار ضرورة، فإن أي تصور يتجاهل إرادة السكان وحقوقهم ويختزل المأساة إلى فرصة استثمارية، يكرر أخطاء التاريخ بدل أن يفتح طريقاً لسلام عادل ومستدام.

تنويه النسب: هذا المقال مبني على تقرير منشور في موقع TIME.com.


مقالات ذات صلة

نقلاً عن time.com: هذا المقال مُلخّص ومُعاد صياغته اعتماداً على التقرير الأصلي. راجع قسم المصادر:

المصادر

Ad