
عندما تقترب عقارب الساعة من منتصف ليل 31 ديسمبر، تبدأ لحظة الطقوس. هناك ما يأتي صاخباً ومباشراً مثل الألعاب النارية والنيران الكبيرة وكسر الأطباق، وهناك ما يمر بهدوء ككتابة الأمنيات وإشعال الشموع وقطع الفاكهة. وفي الحالتين، تبدو الفكرة واحدة: فعلٌ رمزي صغير (أو كبير) يُراد به أن يترك أثراً في السنة المقبلة.
ليلة رأس السنة ليست مجرد احتفال عالمي بالعدّ التنازلي ورفع الكؤوس؛ إنها أيضاً مساحة للمعاني. عبر ثقافات متعددة، تحولت هذه الليلة إلى «عتبة» بين عامين، حيث تُمارَس إيماءات يُنظر إليها كوسيلة لجلب الحظ والوفرة، أو لطرد سوء الطالع، أو حتى لفرض نوع من النظام على قلق عام جديد لم يبدأ بعد. وفيما تتشابه بعض الطقوس في روحها، فإن تفاصيلها تكشف تنوعاً واسعاً في تصور الناس للبركة والتجدد.
كسر الرمان وتحطيم الأطباق: ضجيجٌ مقصود لجلب الحظ
في اليونان، يحمل الرمان مكانة رمزية مرتبطة بالخصب والوفرة. لذلك يُمارس بعض الناس تقليداً يقوم على تحطيم ثمرة رمان عند عتبة المنزل. والقاعدة الشعبية بسيطة: كلما تناثرت بذور أكثر، زادت الآمال بحظ أوفر ورخاء أكبر في العام الجديد. ليست المسألة «قوة» الضربة بقدر ما هي صورة مرئية لمعنى الوفرة.
أما في الدنمارك، فيأخذ كسر الأشياء شكلاً أكثر درامية: يقوم المحتفلون برمي الأطباق والأواني وتحطيمها أمام أبواب الأصدقاء والجيران. وتتنوع التفسيرات المتداولة لهذا السلوك؛ فهناك من يراه وسيلة لترك التوتر والعدوان وسوء الحظ وراءهم مع انتهاء العام، بينما يعتبره آخرون علامة على حسن الطالع، بحيث يصبح «كبر كومة الشظايا» مؤشراً على مقدار الحظ المتوقع.
وفي أيرلندا، يرتبط الأمر بطقس منزلي مختلف: تقوم بعض العائلات بخَبز خبز عيد الميلاد ثم طرقه على الجدران والأبواب. الهدف الرمزي هنا هو طرد الأرواح الشريرة وفتح الطريق أمام «الطيبة» للدخول مع بداية العام، في صورة تجمع بين الموروث الشعبي وفكرة حماية البيت.
تناول الحظ: أطعمة تُؤكل كأنها وعود
في اليابان، تُختَتم السنة بطبق يُعرف باسم toshikoshi soba أو «نودلز عبور السنة». الفكرة أن خيوط الحنطة السوداء الطويلة ترمز إلى التحمل وطول العمر، وكأن امتدادها على الطبق يوازي امتداد الصحة في الحياة. وفي سياق سهل الفهم، يصبح الطعام لغة رمزية: ما تتناوله في آخر ليلة يعبّر عما تريد حمله معك إلى أول يوم.
في البرازيل، يعود الرمان إلى الواجهة ولكن بطريقة مختلفة: يسعى بعض الناس إلى «تخزين» الحظ عبر وضع سبع بذور رمان داخل الجيب أو المحفظة. الرقم سبعة هنا ليس تفصيلاً عابراً، بل جزء من الاعتقاد بأن أرقاماً بعينها تحمل دلالة إيجابية، وأن بذور الرمان يمكن أن تعمل كتعويذة صغيرة للرزق.
في هولندا، يبرز تقليد oliebollen، وهي كرات عجين مقلية تُؤكل في ليلة رأس السنة. ويُشار إلى أن جذور هذه الحلوى تمتد إلى طقوس شتوية قديمة في التقاليد الجرمانية. ووفقاً للحكايات الشعبية، كان يُعتقد أن تناول هذه المعجنات الدسمة يوفر حماية من الإلهة المخيفة «بيرختا» (Perchta) التي قيل إنها تعاقب من لا يحتفل ويأكل خلال موسم «يول» (Yule). هكذا يصبح الطعام، مرة أخرى، شكلاً من أشكال التحصّن الرمزي.

وفي إستونيا، تُؤخذ «وفرة الطعام» حرفياً: إذ يتناول بعض المحتفلين سبع أو تسع أو 12 وجبة خلال المناسبة، وهي أرقام تُعد محظوظة في المعتقد الشعبي. ومن اللافت أن العادة لا تقتصر على كثرة الأكل، بل تشمل أيضاً ترك جزء صغير في الطبق باعتباره «قرباناً» لأرواح الأجداد الزائرين، في تقاطع بين الاحتفال وتقاليد تذكّر الراحلين.
أما في التشيك، فقراءة الحظ لا ترتبط بأوراق الشاي بل بالتفاح: عند منتصف الليل، تُقطع ثمرة التفاح، ويُنظر إلى شكل «القلب» في الداخل. إذا ظهر شكل نجمة، فهذا يُفسَّر كإشارة إلى الصحة والحظ الجيد. أما إذا بدا القلب على هيئة صليب، فيُقال إنه نذير بأن شخصاً ما في الحفل قد يمرض. إنها طريقة بسيطة لكنها مشحونة بالمعنى، لأن العلامة البصرية تتحول فوراً إلى «قصة» عن العام المقبل.
اللباس كرسالة للقدر: نقاط ودوائر وألوان
في الفلبين، يميل كثيرون إلى ارتداء ملابس منقطة (polka dots) وترتيب فواكه مستديرة على طاولات الحفلات لاستحضار فكرة الثروة والحظ. السبب يعود إلى أن الدوائر تشبه العملات المعدنية، وبالتالي تُعامل كرمز للازدهار. وغالباً ما يتم تقديم 12 نوعاً من الفواكه المستديرة في إشارة إلى أشهر السنة الاثني عشر.
حتى ألوان الفواكه، وفقاً للمعتقد الشائع، لها دلالات: يُشار إلى أن الأخضر والبنفسجي يرمزان إلى الازدهار، بينما يرتبط الأصفر بالسعادة. ويعكس هذا جزءاً من «لغة الألوان» المنتشرة في طقوس كثيرة حول العالم: اللون ليس مجرد اختيار جمالي، بل نية مُعلنة.
وفي أماكن أخرى، خصوصاً في أجزاء من أميركا اللاتينية وأوروبا، تنتشر قناعة بأن لون الملابس الداخلية في ليلة رأس السنة يمكن أن «يوجه» حظ الشخص خلال العام. فالأخضر يُقال إنه يجذب المال، والأحمر يرتبط بالحب، والأزرق بالاستقرار. وبغض النظر عن درجة الإيمان بهذه الفكرة، فإنها تُظهر كيف يمكن لتفاصيل شخصية جداً أن تتحول إلى طقس جماعي واسع الانتشار.
استقبال العام مع الأحبة… حتى الغائبين منهم
في تشيلي، يأخذ ارتباط رأس السنة بالعائلة معنى أكثر عمقاً في مدينة تالكا (Talca). هناك من يختار استقبال العام الجديد بالقرب من الذين رحلوا. يقوم السكان بإشعال الشموع عند القبور، كما تُقام قداس منتصف الليل داخل المقابر، في محاولة رمزية لأن يدخل الأقارب—الأحياء والمتوفون—العام معاً.
ويُعتقد أن هذا التقليد يعود إلى عام 1995، عندما قضت عائلة في تالكا ليلة رأس السنة بجانب قبر الأب الراحل. ومع مرور الوقت، تحولت الواقعة إلى ممارسة أوسع، تُظهر أن «البدايات» عند بعض المجتمعات لا تكتمل إلا باستحضار الذاكرة والروابط العائلية الممتدة عبر الزمن.
حرق «العام القديم»: نارٌ لتنظيف الذاكرة وفتح صفحة جديدة
في أجزاء من أميركا اللاتينية، تُضاء الأحياء بنيران كبيرة تُحرق فيها دمى ضخمة تمثل «العام القديم». تُصنع هذه المجسمات غالباً من ملابس قديمة ونشارة خشب، وقد تُحشى بالمفرقعات لتتحول اللحظة إلى عرض صاخب. في الإكوادور تُعرف هذه الدمى باسم «monigotes»، وفي بنما تُسمى «muñecos».
غالباً ما تُشكَّل الدمى على هيئة شخصيات سياسية أو رموز من ثقافة البوب، وأحياناً تكون لشخصيات غير محبوبة. وفي حالات أخرى، لا تكون الدمية شخصاً محدداً بقدر ما تمثل مشكلة عامة أو متاعب العام المنصرم. المعنى الأساسي هو الاعتقاد بأن إحراق «القديم» يطرد السوء ويُفسح المجال لبداية جديدة، وكأن النار تمحو أثر العثرات.

شرب الرماد: أمنية تُكتب وتُحرق وتُبتلع
من أكثر العادات غرابة وإثارة للانتباه تقليد شائع في روسيا: يكتب الشخص أمنيته على ورقة، ثم يحرق الورقة، ويضع الرماد في كأس من الشمبانيا، ويشربه قبل أن تمر الدقيقة الأولى من العام الجديد. وإذا انتهى من الكأس قبل الساعة 12:01 صباحاً، يُعتقد أن الأمنية ستتحقق.
هذه العادة، على الرغم من بساطتها، تحمل معنى شديد الرمزية: الأمنية لا تبقى حبيسة الورق، بل تتحول إلى فعل مادي—حريق ثم «ابتلاع»—كأنها تنتقل من عالم الكلمات إلى داخل الجسد، لتصبح جزءاً من صاحبه وهو يعبر إلى السنة الجديدة.
«الخطوة الأولى» بعد منتصف الليل: من يفتح باب الحظ؟
في اسكتلندا، تمتد احتفالات «هوغماناي» (Hogmanay) لأيام، خصوصاً في مدن مثل إدنبرة، حيث تُقام حفلات شارع ضخمة وتملأ الألعاب النارية السماء فوق شارع برينسيس (Princes Street). وبين العادات المرتبطة بهذه المناسبة تقليد يُعرف باسم «first footing»، ويقوم على فكرة أن أول شخص يعبر عتبة منزلك بعد منتصف الليل ينبغي أن يجلب معه هدايا رمزية للحظ السعيد.
وفي يوم رأس السنة نفسه، يشارك كثيرون في فعالية لافتة: القفز في مياه شديدة البرودة ضمن ما يُسمى «Loony Dook»، أي «الغطسة المجنونة». تشير الرواية المتداولة إلى أن هذا التقليد بدأه ثلاثة أصدقاء في أواخر ثمانينيات القرن الماضي كطريقة للتعافي من آثار الاحتفال في ليلة هوغماناي. أكبر تجمع لهذه الفعالية يُقام في ساوث كوينزفيري (South Queensferry) غرب إدنبرة، لكنه بات منتشراً في مناطق أخرى من اسكتلندا أيضاً.
لماذا تتشابه طقوس رأس السنة رغم اختلاف البلدان؟
على الرغم من تباعد الجغرافيا وتعدد الأديان والعادات، تتكرر في طقوس رأس السنة ثلاث أفكار كبرى:
- توديع العام القديم بعمل حاسم: كالحرق أو الكسر أو الطَرق، وكأن الفعل القوي يقطع الصلة بما مضى.
- استدعاء الوفرة عبر رموز ملموسة: بذور الرمان، الفواكه المستديرة، أرقام الوجبات… كلها استعارات عن المال والصحة والخصب.
- تحويل القلق إلى ترتيب: حين يواجه الناس سنة مجهولة، تساعدهم الطقوس على الشعور بأنهم يشاركون في «توجيه» الحظ، حتى لو كان ذلك رمزياً.
بهذا المعنى، لا تُفهم هذه التقاليد باعتبارها خرافات فحسب، بل كوسائل اجتماعية ونفسية لخلق معنى مشترك لبداية جديدة: طقسٌ يُقال فيه للجميع إن الغد يمكن أن يكون أفضل.
الخلاصة
تُظهر تقاليد ليلة رأس السنة حول العالم كيف تتحول دقائق منتصف الليل إلى مسرح لرموز قديمة ومتجددة: كسرٌ وحرقٌ وأكلٌ ولباسٌ وأمنيات. ورغم اختلاف التفاصيل بين بلد وآخر، يبقى الهدف واحداً: استقبال عام جديد بأمل أكبر، وترك عبء العام الماضي خلف الباب.
مقالات ذات صلة
- حصاد 2025: 9 تطورات كبرى أعادت تشكيل الذكاء الاصطناعي هذا العام
- ميتا تستحوذ على Manus: صفقة أمريكية-صينية تُشعل منافسة وكلاء الذكاء الاصطناعي
- رهان الصبر: هل تعود آبل إلى سباق الذكاء الاصطناعي متأخرة في 2026؟
نقلاً عن time.com: هذا المقال مُلخّص ومُعاد صياغته اعتماداً على التقرير الأصلي. راجع قسم المصادر: