
بين ضغوط المعيشة، واستقطاب لا يهدأ، وغضب يتجاوز الانتماءات الحزبية، تبدو الولايات المتحدة مقبلة على عام سياسي مختلف في 2026: عام تتحرك فيه القاعدة الانتخابية بعيداً عن الشعارات الصلبة، وباتجاه ما يمكن تسميته “براغماتية سياسية” تبحث عن نتائج ملموسة، لا عن نقاشات أيديولوجية لا تنتهي.
شهدت 2025 اضطرابات سياسية لافتة بعد فوز انتخابي قوي في 2024، إذ طغت قرارات مثيرة للجدل على المشهد الأمريكي في عهد الرئيس دونالد ترامب: تقليص واسع لقطاعات من العاملين الفيدراليين، وإرسال الحرس الوطني إلى مدن أمريكية، وتراجع دور واشنطن القيادي عالمياً في ملفات إنسانية. وفي ظل ذلك، تراكمت أسئلة كبيرة حول العام التالي: هل ينجذب الديمقراطيون أكثر إلى الاشتراكية الديمقراطية كما يمثلها عمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني؟ وهل يبتعد الجمهوريون عن ترامب إذا استمرت كلفة المعيشة بالارتفاع بدلاً من الانخفاض كما وُعد؟ وإلى أين يمكن أن تتجه موجة الشعبوية؟
ورغم أن السياسة بطبيعتها غير قابلة للتنبؤ، فإن انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 بدأت فعلياً على أرض الواقع. الإعلانات السياسية مرشحة—بحسب ما هو متوقع—لتسجيل رقم قياسي جديد في الإنفاق، فيما تشير استطلاعات إلى احتمال موجة ديمقراطية زرقاء، وفق بيانات RealClearPolling. ولا يساعد الجمهوريين أيضاً أن تقييم ترامب الاقتصادي هبط إلى مستوى متدنٍ مؤخراً بلغ 31%.
وسط هذه الضبابية، يبرز اتجاه واحد واضح في بيانات الرأي العام: “البراغماتية المناهضة للمؤسسة” تحظى بشعبية كبيرة. وتشير أحدث دراسة من Outward Intelligence إلى أن الأمريكيين يتطلعون إلى مرشحين يرفضون الوضع القائم، لكن دون السقوط في مزايدات أيديولوجية أو حلول نظرية بعيدة عن الواقع. الفكرة هنا ليست “يميناً” أو “يساراً” بقدر ما هي سؤال عملي: من يستطيع أن يحكم بكفاءة، ويقدم إنجازاً قابلاً للقياس؟
غضب من الحزبين… وإحساس بأن النظام “لا يعمل”
الكثير من الأمريكيين يريدون نظاماً سياسياً يؤدي وظيفته الأساسية: حل المشكلات. لكن الإحساس السائد—وفق ما تعكسه استطلاعات—أن المؤسسة السياسية لا تمثلهم ولا تنجز ما يعد به السياسيون. فمن جهة، لا يعتقد سوى 32% أن أفضل أيام أمريكا لا تزال أمامها. ومن جهة أخرى، تشير أرقام Pew Research إلى أن 17% فقط من البالغين في الولايات المتحدة يرون أن الكونغرس يمثل مصالحهم. ومع هذا التراجع في الثقة، يقول ستة من كل عشرة أمريكيين إنهم لا يثقون بقدرة النظام الأمريكي على حل المشكلات.
الأهم أن هذا الإحباط لم يعد حكراً على تيار واحد. ففي عالم شديد الاستقطاب، صار الغضب من “المنظومة” موقفاً مشتركاً بين فئات متعارضة ظاهرياً. أحد الأمثلة اللافتة أن نحو 10% من ناخبي ممداني سبق أن صوّتوا لترامب—وهو تقاطع غير متوقع يعكس رسالة واحدة: رفض للوضع الراهن أكثر من كونه تأييداً لبرنامج أيديولوجي محدد.
ووفق بيانات الاستطلاعات نفسها، يميل المحافظون إلى القول إن الكونغرس لا يمثلهم، بينما يرى كثير من الليبراليين أن النظام يفشل في “إنجاز” المقترحات التشريعية التي يريدونها. عندما يتفق اليسار واليمين على أن الولايات المتحدة غير ممثلة بالشكل الكافي، فإن ذلك يتحول إلى تفويض ضمني لمرشحين يرفعون راية “التغيير” أو “القطيعة” مع المؤسسة—من ترامب في 2024 إلى ممداني في 2025.
البراغماتية السياسية: تعطيلٌ بلا فوضى
غير أن الرغبة في تعطيل المسار التقليدي لا تعني أن الناخبين يريدون فوضى أو سياسات متناقضة. الفكرة التي تتكرر في هذا المزاج العام هي المطالبة بـ”حوكمة جيدة” ومسؤولية واضحة. الناس يريدون مساراً يمكن توقعه، وقرارات يمكن مساءلة أصحابها عنها، لا مجرد صدمات سياسية متلاحقة.
الهجرة مثال جيد على هذا التحول نحو البراغماتية. فهي من أكثر الملفات استقطاباً في السياسة الأمريكية، ومع ذلك تُظهر النتائج تقاطعات غير متوقعة بين تيارات مختلفة. فالمعتدلون والمحافظون متقاربو الموقف تقريباً فيما يخص تشديد الرقابة على الحدود، وتشير البيانات إلى أن نحو 80% من المحافظين يؤيدون ترحيل المجرمين، بينما يقارب 50% من المعتدلين يؤيدون بقوة السياسة نفسها. وحتى بين الليبراليين، هناك من يدعم ترحيل المجرمين أيضاً. الصورة العامة هنا أن أغلبية واسعة—من الديمقراطيين والجمهوريين—تريد مقاربة “منطقية” تتعامل مع المخاوف الأمنية دون تعميمات قاسية.
لكن الدعم يتراجع بحدة عندما يتعلق الأمر بترحيل أشخاص بلا سجل جنائي وكانت “مخالفتهم الوحيدة” دخول الولايات المتحدة بشكل غير قانوني. وتذكر البيانات أن هذا ينطبق على معظم الاعتقالات التي نفذتها وكالة ICE خلال هذا العام. وعند هذه النقطة، لا يعود الناخبون متحمسين لخيارات واسعة النطاق: حتى بين المحافظين، لا تتجاوز نسبة من يؤيدون بشدة سياسات إنفاذ أكثر شمولاً 38%.
المحصلة: كثيرون يريدون حدوداً أكثر ضبطاً وقوانين تُطبق، لكنهم لا يطالبون بالضرورة بترحيل جماعي يطال عائلات عاملة بلا سوابق. هذه المفارقة تلخص معنى “البراغماتية” هنا: تشددٌ في الهدف، ومرونةٌ في التطبيق، والبحث عن توازن بين الأمن والإنصاف.
لماذا قد يكون 2026 عام “حلّ المشكلات”؟
إذا كان هناك عنوان يتقدم في مزاج الناخب، فهو: “أصلحوا الأمر”. ارتفاع تكاليف الحياة، وتآكل الثقة، والشعور بأن النخب السياسية تتجادل أكثر مما تنجز—كل ذلك يدفع شريحة واسعة إلى تفضيل مرشحين يتحدثون بلغة النتائج. وهذا ما يجعل انتخابات التجديد النصفي في 2026 ساحة اختبار لمعادلة جديدة: هل يستطيع المرشح أن يكون مناهضاً للمؤسسة من دون أن يتحول إلى عامل فوضى؟
في السياق الأمريكي، “الوسط” لا يزال القوة الأكثر حضوراً انتخابياً مقارنةً بحماسة الأطراف على شبكات التواصل. كثير من الناخبين لا يبحثون عن “نقاء” أيديولوجي كما تفرضه المعارك الثقافية اليومية، بل عن خطاب يبدو حازماً لكنه مقبول، وحلول تبدو صعبة لكنها قابلة للتطبيق.
وهذا يفسر كيف يمكن لمرشح ناجح أن ينتقد الحزبين في الوقت نفسه: يحمّل الجمهوريين والديمقراطيين مسؤولية الفشل، لكنه لا يَعِد بثورة شيوعية ولا يلوّح بانزلاق سلطوي. الرسالة الأقوى انتخابياً قد تكون: “سأكسر الجمود، لكنني سأحكم بعقلانية”.
ملامح “كتيّب” المرشح البراغماتي المناهض للمؤسسة
وفق هذا الاتجاه، لا يكفي أن يرفع المرشح شعار “التغيير” فقط. بل عليه أن يقدم صورة واضحة عن إدارة الحكم بفعالية. ويمكن تلخيص سمات الخطاب الذي قد ينجح في 2026 في نقاط عملية:
- رفض الاستمرار على النهج القديم: إظهار مسافة من المؤسسة الحزبية التقليدية التي يُنظر إليها بوصفها غير فعالة.
- تركيز على النتائج لا الشعارات: تحويل النقاش من “من نحن أيديولوجياً؟” إلى “ماذا سننجز خلال 6–12 شهراً؟”.
- مواقف حازمة في القضايا المرئية: مثل أمن الحدود أو الاقتصاد، مع لغة تطمئن القلق العام.
- مرونة في آليات التنفيذ: تبني التطبيق التدريجي أو التفصيلي بدل طرح حلول صادمة وغير مدروسة.
- مساءلة واضحة: وعود قابلة للقياس، وتحديد مسؤوليات بدل تعميم اللوم.
هذا النوع من المرشحين—كما تصفه البيانات—يستفيد من حالة إنهاك عامة: الناخبون يريدون إصلاحاً “من خارج الصندوق”، لكنهم لا يريدون أن يصبح البلد حقل تجارب يومي. وفي ظل عدم اليقين الاقتصادي واهتزاز مفهوم “القدرة على تحمل التكاليف”، يزداد وزن المرشح الذي يَعِد بإصلاحات عملية تتجاوز إطار السياسات الحزبية المعتاد.
اختبار الوعود: ترامب وممداني تحت المجهر
السياسة في نهاية المطاف محكومة بنتائج ملموسة. بعد عام على بداية الولاية الثانية لترامب، تراجعت شعبيته مع تصاعد الإحباط من عدم تحقق الوعود المرتبطة بخفض التكاليف. وفي المقابل، سيكون ممداني—الذي يمثل توجهاً مختلفاً داخل المشهد الديمقراطي—أمام اختبار من نوع آخر: هل يستطيع الوفاء بتعهدات طموحة في بيئة معقدة ومؤسسات بطيئة؟
وهنا يبرز سؤال 2026 المركزي: إذا كان الناخب الأمريكي قد بعث برسائل واضحة في 2025 بأنه يفضّل النتائج على السياسة، فهل ستلتقط النخب الحزبية الإشارة وتُعيد ترتيب أولوياتها؟ أم ستُعيد إنتاج الاستقطاب نفسه حتى لو كان المزاج العام يبحث عن مسار ثالث أكثر واقعية؟
الخلاصة
يتقدم نحو 2026 اتجاه انتخابي يرى أن التغيير مطلوب، لكن بشرط أن يكون موجهاً وعملياً لا فوضوياً. تراجع الثقة بالمؤسسات، وغضب الحزبين من الأداء التشريعي، وملف الهجرة بوصفه مثالاً على الرغبة في “حلول متوازنة”—كلها عوامل قد تجعل “البراغماتية السياسية” العنوان الأبرز في انتخابات التجديد النصفي القادمة.
نقلاً عن تقرير منشور في موقع time.com.
مقالات ذات صلة
- لسنا بحاجة إلى قرارات العام الجديد بقدر حاجتنا إلى الراحة: لماذا يُعد يناير وقتاً لإبطاء الإيقاع
- العالم غير مستعد لحالة طوارئ بسبب الذكاء الاصطناعي: لماذا نحتاج خطة استجابة قبل فوات الأوان
- 3 مفاهيم خاطئة شائعة عن الذكاء الاصطناعي في 2025: لماذا حان وقت تجاوزها؟
نقلاً عن time.com: هذا المقال مُلخّص ومُعاد صياغته اعتماداً على التقرير الأصلي. راجع قسم المصادر:
المصادر
- time.com
- https://www.axios.com/2025/09/02/2026-midterm-election-political-ads-spending
- https://www.realclearpolling.com/polls/state-of-the-union/generic-congressional-vote
- https://apnews.com/article/trump-poll-approval-economy-immigration-inflation-crime-9e5bd096964990e040bc4bacd9fcac21
- https://platform.outwardintelligence.com/assets/OI%20November%20US%20.pdf
- https://www.pewresearch.org/politics/2025/12/04/public-trust-in-government-1958-2025/
- https://www.nbcnews.com/politics/elections/-love-underdog-trump-zohran-mamdani-voters-are-center-unexpected-relat-rcna248388
- https://www.nytimes.com/interactive/2025/12/04/us/ice-arrests-criminal-records-data.html